الإثنين, 19 كانون1/ديسمبر 2016 17:31

علموا أولادكم على غير ما تعلمتم

قل لي ماذا يتعلم أولادك في المدارس والجامعات، أقل لك عن أي شعب تتحدث.

تنتشر بين عامة الناس مقولة " لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم ، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم‏ " ، منسوبةً للصحابيّ الجليل عليُ بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي الحقيقة هذا الكلام لا يُعرف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا عن أحد من الصحابة أو غيرهم من السلف الصالح ، إنما يُعرف من قول سقراط ، ولفظه : " لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ".، وقيل هو من قول أفلاطون.. لا أعلم يقينا، لكني مع تعديل بسيط في حروف الكلمات أصل إلى معنى ما أريد التحدث فيه.

المقولة بعد التعديل ستصبح "لا تعلموا أولادكم ما تعلمتم فإنهم يعيشون زمانا غير زمانكم". وبهذا التعديل ابتعد تماما عن المعنى الأخلاقي للمقولة، فالأخلاق لا تتغير ولا تتبدل والناس على خيرٍ ماداموا يتأدبون بآداب السلف ، ويستنون بسنتهم ويأخذون بهديهم؛ وكان السلف يأخذ صغيرهم عن كبيرهم ، ومتعلمهم عن عالمهم.

ما أقصده هو العلم والعادات والتقاليد التي تتبدل بتغير الزمان وتختلف مع تغيير المكان، فلا يجوز مثلا أن يتعلم أبناؤنا بالطريقة ذاتها التي تعلمنا بها مع كل التقدم العلمي الذي نعيشه ومع ثورة الاتصالات واقتراب المسافات وتداخل الثقافات.. لقد تعلم أجدادنا بالريشة واللوح، وتعلمنا بالورقة والقلم ويتعلم أبناؤنا بالأي باد والكمبيوتر.

في أيامنا كانت مرحلة التعليم الأساسي تعتبر مدخلا هاما للطفل لعالم المعرفة والثقافة والفنون، الآن صار الطفل ينهل من هذه المعارف قبل ولوج المرحلة التعليمية الأولى وتشكل هذه المعارف مداركه بأكثر مما وصلنا إليه على امتداد سنواتنا التعليمية.

أني أؤمن تماما بهذه الفرضية وأطبقها على بناتي الثلاثة فصاروا يتعلمن على غير الطريقة التي نشأت عليها ويدركون من المعارف والثقافات خلاف ما أعرف، وبتعلمهم الصحيح للغة واستخدامهم الجيد لتقنيات الاتصال والتواصل الحديثة صاروا يمتلكون مهارات ثقافية أضعاف ما امتلكت مما أثر في وعيهم الإدراكي وطريقة معايشتهم للناس وعيشهم لحياتهم.

لكن لا يبدو أن كل الناس على قناعاتي، منذ أيام فوجئت بصديق يُدرس للطلاب في المرحلة الجامعية يتحدث عما يقدمه لهم من علم توقف عند مرحلة الطباعة الحديثة التي اكتشفها يوهان غوتنبرغ عام  1447 حين نجح في تطوير قوالب الحروف التي توضع بجوار بعضها البعض ثم يوضع فوقها الورق ثم يضغط عليه فتكون مطبوعة مطوراً بذلك علم الطباعة الذي اخترع قبل ذلك في كوريا سنة 1234.

العالم يتطور وأصبحنا في عصر الديجيتال وما زال صديقي يحاضر عن الطباعة الحديثة ويعتبرها مادة رئيسية سوف تؤسس لجيل يتعلم من الأي باد ويتحدث الشات مع صديقته في بلاد الناتو ويتواعد مع صديق من بلاد القوقاز ليلتقي به في المساء.. العالم يتحرك إلى الأمام ونحن ما زلنا نحرك أصابع أقدامنا داخل أحذيتنا بالكاد.

لقد صدمت حينما سألت صديقي؛ المدرس في واحدة من أشهر كليات الإعلام العربية؛ إن كانت هذه المعلومات مجرد معارف تاريخية لكي يصبح الطالب ملما بتطور وسائل الاتصال منذ مرحلة الحمام الزاجل الذي كان ينقل رسائل الملوك والعشاق على السواء مرورا بعصر الطباعة ثم عصرالسماوات المفتوحة ومخازن السحاب.

قال صديقي، لا فض فوه، أن هذه مواد أساسية يتعلمها الطالب على مدار العام وليست سطورا في كتاب يقرأها ليعرف تطور فنون الاتصال!!، بل والغريب والمثير للغيظ أني وجدت الطلاب يقدمون مشاريع تخرج من كليات الإعلام عبارة عن مجلات وصحف ورقية لا يعرف جيلهم عنها شيئا ولم يشاهدوها إلا لدى البائعين على الأرصفة أو في أفلام الأبيض والأسود.!!

منذ عشرات السنين والعرب يتحدثون عن (تطوير) التعليم ليواكب عصر الفيمتو ثانية، لكنهم في العادة يقولون ما لا يفعلون وتقتصر أفعالهم على محاولات (إصلاح) التعليم مثل زيادة أو إنقاص سنة دراسية أو تجزئة الشعب إلى علوم ورياضة وأدبي أو إدخال بعض المفاهيم الجديدة في بعض المقررات، وغير ذلك من أمور لا تؤدي بالتعليم إلى الهدف المنشود.

وفي الحقيقة فإن العرب صاروا بحاجة إلى إعادة بناء التعليم، واستبدال تصوراته الحالية بأخرى حديثة يقتنع بها المدرسون والإداريون والطلاب وأولياء الأمور.. مطلوب إعادة بناء مفاهيم وتصورات تعليمية جديدة تؤسس لجيل لا يتشابه معنا إلا في الشكل من عينين وأنف أذنين لكنه يختلف في المضمون المعرفي والأسلوب الحياتي.

مطلوب أن يتعلم الطلاب كيف يتعلمون قالتعلم مستمر معهم ما استمرت الحياة، ومطلوب أن يقترن التعليم بالعمل بحيث يكون ذو عائد اجتماعي على الفرد والمجتمع.. مطلوب من المعلمين أن يفجروا الطاقات الإبداعية لدى المتعلمين حتى ينشأ جيل قادر على الابتكار والاختراع وليس المحاكاة والتقليد.

وفي مواجهة ثورة الاتصال، مطلوب تأصيل الذاتية الثقافية لكل أمة وإصلاح حالات الاعتلال الاقتصادي والتشوهات الاجتماعية التي نشأت نتيجة تداخل المعارف والغاء الخصوصيات وضياع الثوابت الأخلاقية والانساق الثقافية.

باختصار.. مطلوب من الجميع أن ينسف الأفكار البالية التي لا تؤسس عالما متقدما، وأن يؤسس لمجتمع يعايش التطور الحالي بقيمه وأخلاقه وبالثوابت الدينية الشرعية التي تربى عليها.. الله لم يخلقنا إلا لنعبده، ونحن مأمورون بأن نعمر هذا الكون، ولن يحدث ذلك إلا بالعلم المعرفي والاستخدام الصحيح للأدوات العصرية.

*محمود صادق
 

من نحن

مجموعة من الإعلاميين تجمعنا تجربة العمل في الصحافة الإليكترونية.. ويجمعنا كذلك الإعجاب بتجربة النهضة في دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام وتجربتي دبي وأبو ظبي على وجه الخصوص.

أهلا بكل من يريد أن يشاركنا التجربة ويساهم بما لديه من رؤى شاهدها في دولة الإمارات.. فكل ما نقدمه من أجل أن تصبح بلاد العرب أجمل بلاد العالم.

تواصل معنا