Share this article

هل يجوز للمرأة صيام الأيام الستة من شوال قبل قضاء أيام رمضان ؟

هذه من المسائل التي يكثر عنها السؤال، لا سيما في كل عام، فتجد المرأة تسأل:

هل يجوز أن أصوم الأيام الستة من شوال، قبل قضاء أيام الحيض التي عليَّ من رمضان ؟
وهذه المسألة فرع على أصل، وهو:
(( هل يجوز صيام التطوع قبل قضاء رمضان ؟ ))
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

(( القول الأول )):
يجوز التطوع قبل قضاء أيام رمضان .
وهذا مذهب الحنفية ([1])، وهو ظاهر صنيع جماعة من متأخري الشافعية ([2])
وهو رواية فى مذهب أحمد، وصوبها بعض الحنابلة ([3])

واستدلوا على ذلك بأدلة:
الدليل الأول :
حديث عائشة ل قالت (( كانَ يَكونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِن رَمَضَانَ ، فَما أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَ إلَّا في شَعْبَانَ )) ([4])

وجه الاستدلال:
أنَّ أمنا عائشة ل من خيرة نساء العالمين، ومن أحرصهن على طاعة الله والاجتهاد فيها ، فهل يمكن أن يُتصور أن عائشة  ل كانت لا تصوم الأيام الستة من شوال، ولا يوم عرفة وعاشوراء ؟!
 هل يُظَن أنها لا تتطوع في هذه الأيام الفاضلة بالصيام، ولا في غيرها من الأيام المسنونة ؟!
(( الجواب )):
بلا شك ، كانت تتطوع
 
الدليل الثانى :
أنَّ  قضاء رمضان ( واجب موسع )، فلا يمنع من التطوع، والأمر بالقضاء مطلق ([5]) .
قال الله جل جلاله: +  فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّـنْ أَيَّامٍ أُخَرَ _{البقرة:184}
وقد أجمع العلماء على أن قضاء رمضان واجب موسع .
قال ابن بطّال في شرح البخاري:  
(( وأجمع أهل العلم على أن من قَضَى ما عليه من رمضان في شعبان بعده ، أنه مؤدٍّ لفرضه ، غير مفرّط )) ([6])

والقاعدة:
(( الواجب الموسّع يجوز الاشتغال بالتطوع من جنسه قبل الاشتغال به ))

(( القول الثانى )):
يكره التطوع قبل قضاء أيام رمضان وهذا قول المالكية ([7])، وبعض متقدمي الشافعية ([8])، وبعض متأخريهم ([9]) .
واستدلوا على ذلك بأدلة:
الدليل الأول :
بأنه يلزم من ذلك تأخير الواجب. والواجب مقدم ([10]) .
الدليل الثانى:
إن أداء الفرض مقدم وهو أهم من التطوع ، ولذلك يكره الانشغال بالتطوع قبل أداء الفرض

(( القول الثالث )):
يحرم التطوع قبل قضاء رمضان .
وهذه رواية فى مذهب أحمد، وهى المذهب عند الحنابلة ([11]) .
واستدلوا على ذلك بأدلة:

الدليل الأول:
عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ )) ([12])
وجه الاستدلال:
تعليق الأجر المذكور على صوم رمضان كاملًا، وإتباعه بست من شوال .
 (( الحكم إذا عُـلـق بشرط  فلا يوجد إلا مع وجود هذا الشرط )) .

الدليل الثانى :
عن أبي هريرة اأن النبي ه قال :
(( من أدركَ رمضانَ وعليهِ من رمضانَ شيءٌ لم يقضهِ، لم  يتقبَّل منهُ ومن صامَ تطوُّعًا وعليهِ من رمضانَ شيءٌ لم يقضهِ، فإنَّهُ لا يتقبَّلُ منهُ حتَّى يصومَهُ )) ([13]) .
وجه الاستدلال:
عدم المقبولية تدل على الحرمة؛ لأنه لو جاز لما مُنِعَ القَبُول .

 الدليل الثالث :
عن عبد الله بن عباس ب قال:
(( أنَّ امْرَأَةً مِن جُهَيْنَةَ ، جاءَتْ إلى النبيِّ ه، فقالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ ، فَلَمْ تَحُجَّ حتَّى ماتَتْ، أفَأَحُجُّ عَنْها ؟ قالَ:
(( نَعَمْ حُجِّي عَنْها ؛ أرَأَيْتِ لو كانَ علَى أُمِّكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قاضِيَةً ؟  
اقْضُوا اللَّهَ ؛  فاللَّهُ أحَقُّ بالوَفاءِ )) ([14])
وجه الاستدلال :
هذا أمر يقتضى الوجوب، وتحرم مخالفته .

الدليل الرابع :
عن عائشة ل قالت:
(( كانَ يَكونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِن رَمَضَانَ ، فَما أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَ إلَّا في شَعْبَانَ )) ([15])
وجه الاستدلال:
أنه قد ورد عنها فى ( مصنف عبد الرزاق ) عدم جواز التطوع قبل قضاء رمضان ، يُرْوَى عنها:
(( لا ، بل حتى تؤدي الحق )) ([16])،
وهذا يدل أنها لم تكن تتطوع بالصوم، وفهمها مقدم على فهم غيرها، لاسيما ومعه إقرار النبى صلى الله عليه وسلم
 
الدليل الخامس :
وعن عثمان بن موهب قال:  سمعت أبا هريرة اوسأله رجل، فقال:  إن عليَّ رمضان، وأنا أريد أن أتطوع في العشر.
قال:  (( لا، بل ابدأ بحق الله فاقضه، ثم تطوع بعدُ ما شئتَ )) ([17]) .
وجه الاستدلال:
أنه أمره بحق الله أولًا، ونهاه عن التطوع قبله، ولو كان يجوز لما نهاه .

الدليل السادس:
إن الصوم عبادة يدخل فى جبرانها المال، فلم يصح التطوع قبل أداء فرضها كالحج ([18]) .
قـلتُ : فعلى ما ذكرناه فالقول بجواز التطوع ــ فى الجملة ــ قبل قضاء أيام رمضان هو قول المذاهب الأربعة، على خلاف بينهم فى الجواز والكراهة ، خلا رواية عند الحنابلة ، وهى المذهب .
(( الترجيح )) :
الراجح (فى نظرى والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم، إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان):
هو قول الجمهور بأنه يجوز التطوع قبل قضاء رمضان .

(( برهان ذلك )):
ما سبق ذكره من الأدلة، ويؤيده:
(( أولًا )):
لو كان هذا  شرطًا لبينه النبى صلى الله عليه وسلم  ؛  فقد قال أ:
+ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا _ مريم / 64
ولو كان هذا شرطًا لشاع، وانتشر بين الصحابة يلاسيما مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، وشدة الحاجة لمعرفة ذلك .
(( ثانيًا )):
القول بالجواز هو الموافق لمقاصد الشريعة من التيسير في النافلة كما في:
1- صلاة النافلة:
أ ـ تجوز أن يصليها قاعدًا مع قدرته على القيام .
ب ـ ويجوزأنْ يصليها لغير القبلة في السفر على الدابة .
2- وكذلك صوم التطوع :
يجوز بنيَّة من النهار ( كما هو مذهب الجمهور) ([19]) فالأصل فى الشريعة التخفيف فى النافلة، وهذا الذي يتناسب ويتماشى فى الباب مع مسألتنا .
(( ثالثًا )):
ثم يؤيد ذلك قول أمنا عائشة ل:
(( كانَ يَكونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِن رَمَضَانَ، فَما أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَ إلَّا في شَعْبَانَ )) ([20])
فإن قيل: هى ما كانت تتطوع لشغلها بالنبى صلى الله عليه وسلم  كما ورد في آخرالحديث .
فالجواب: هذا كلام جيد، لكنه مردود بالأيام التى كان يواظب النبى صلى الله عليه وسلم  على صيامها كعاشوراء ويوم عرفة، فانتفت العلة المرادة هنا؛ فما الذى يمنع أمنا عائشة ل الحريصة على التقرب إلى الله ، واتباع النبى صلى الله عليه وسلم  في الصيام وغيره، من التطوع ؟! وهذا ظاهر لمن تأمله .....
وبالله التوفيق .
(( رابعًا )):
هذا واجب موسع ، فـجاز التطوع فيه قبل فرضه ، كالصلاة يتطوع في وقـتها قبل أدائها .
(( خامسًا )):
ويؤيده أن هذا الموافق لروح الشريعة من التيسير ــ لا سيما مع النساء ــ  فقد تحيض عشرة أيام في رمضان ، ومثلها في شوال ، فـتُطالب بصوم ستة عشر يومًا من عشرين لتدرك هذه الفضيلة ، فيشق ذلك عليها . وهذا يخالف روح الشريعة في التخفيف ،لا سيما في النافلة ؛ حيث يُتسامح فيها ما لا يُتسامح في الفريضة ــ كما سبق وبيناه ــ (( الجواب على أدلة المخالفين )):
(( أولًا )):
الجواب على أدلة من قال بالكراهة:
استدلالهم  : أنه يلزم منه تأخير الواجب .
(( الجواب )):
التأخير أنواع :
(1) ـ  تأخير مذموم ممنوع .        
(2)  ـ وتأخير مشروع .
التأخير الممنوع المذموم  :
كتأخير الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها ، وتأخير قضاء رمضان عمدًا حتى يأتى رمضان الآخر .
التأخير المشروع  :
التأخير المأذون فيه شرعًا، كما في هذا الباب، فهذا لا شيء فيه .
وتقديم التطوع، وتأخير القضاء في الباب، من التأخير المأذون فيه .
 
 استدلالهم   بأن الواجب مقدم .
(( الجواب )):
نعم، الواجب مقدم عند التعارض، وضيق الوقت الذى لا يسع غيره، وعند عدم الإذن الشرعى. وهاهنا في مسألتنا الإذن الشرعى الذى يدل على الجواز موجود، والواجب وقته موسع، فلا محل لهذه المعارضة .
الجواب عن أدلة من قال بالكراهة:
استدلالهم  : بحديث
(( من صام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال، كان كصيام الدهر )) ([21])
والأجر المذكور على صوم رمضان كاملًا، وإتباعه بست من شوال،  (( والحكم إذا عُـلـق بشرط فلا يوجد إلا مع وجود هذا الشرط )) .
(( الجواب )):
الحديث خرج مخرج الغالب ــ في غير المعذور ــ ، فإن قيل : كيف ذلك وعامة النساء يكون عليهن أيامٌ من رمضان للحيض ؟
فالجواب:  من كان هذا حالها، وتريد القضاء؛ فيصح أن نقول أنها :
( صامت رمضان ) .
(( برهان ذلك )):
قول النبى صلى الله عليه وسلم :
(( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه )) ([22]).
والمرأة الحائض لم تصم كل رمضان، وهى داخلة في هذا الفضل المذكور في الحديث بالإجماع .
فإن قيل : لكن الذى أمرها بترك الصلاة هو الله أ.
فالجواب:  والذى أمرها بالفطر وعدم الصوم هو الله أ.
ولـئِـن سُمِّيَت ( قائمة ) لرمضان فيما لم تقضه - وهي الصلاة - فلأن تُسَمَّى ( صائمة ) لرمضان فيما ستقضيه - وهو الصيام - من باب أولى ، والله أعلم .
استدلالهم: بحديث عن أبي هريرة ا أن النبي ه قال:
(( من أدركَ رمضانَ وعليهِ من رمضانَ شيءٌ لم يقضهِ لم يتقبَّل منهُ ومن صامَ تطوُّعًا وعليهِ من رمضانَ شيءٌ لم يقضهِ فإنَّهُ لا يتقبَّلُ منهُ حتَّى يصومَهُ )) ([23])
(( الجواب )):
أ ـ هذا الحديث لا يصح؛ وآفته ابن لهية، وهو سيئ الحفظ، والحديث فيه اضطراب في سنده، كما قال ابن أبي حاتم . ([24])
فالحديث إسناده ضعيف، والقاعدة :
« الحديث الضعيف ليس بحجة في الأحكام » .
ب ـ ولو صح ــ تنزلًا ــ فلا حجة فيه؛ لأنه يُحمل على من تطوع وعليه رمضان قبل الماضي ــ كما هو ظاهر سياقه ــ ([25])
استدلالهم  : بحديث (( ..... اقْضُوا اللَّهَ ؛ فاللَّهُ أحَقُّ بالوَفاءِ )) ([26])
(( الجواب )):
هذا عام مخصوص بحديث عائشة؛ وبالنظر حيث أنه واجب موسع .
استدلالهم: بحديث
عن عائشة ل قالت:  (( كانَ يَكونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِن رَمَضَانَ، فَما أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَ إلَّا في شَعْبَانَ )) ([27])
وجه الاستدلال :
أنه قد ورد عنها فى (  مصنف عبد الرزاق  ) عدم جواز التطوع قبل قضاء رمضان، وهذا يدل أنها لم تكن تتطوع بالصوم، وفهمها مقدم على فهم غيرها ، لاسيما ومعه إقرار النبى صلى الله عليه وسلم
(( الجواب )):
ثبت العرش، ثم انقش ما ورد عنها فى ( مصنف عبد الرزاق ) لا يصح سندًا فقد روته عجوز، مبهمة ، فالأثر لا يُفرح به
استدلالهم:
بحديث وعن عثمان بن موهب قال :  سمعت أبا هريرة ا
وسأله رجل، فقال : إن عليَّ رمضان، وأنا أريد أن أتطوع في العشر ؟
قال:  (( لا، بل ابدأ بحق الله فاقضه، ثم تطوع بعدُ ما شئتَ )) ([28]) .
(( الجواب )):
أ ــ هذا قول صحابى، وقد خالفه إقرار النبى صلى الله عليه وسلم ، وفـعل عائشة ل
ب ــ ثم لا يلزم من أمره له بالقضاء أولًا قبل التطوع - الوجوب  كما لا يخفى .
استدلالهم:  
بأن الصوم عبادة يدخل في جبرانها المال، فلم يصح التطوع قبل أداء فرضه كالحج ( قاسوا الصيام على الحج ) .
 
 (( الجواب )):
 أ ـ هذا قول ضعيف، وهو محجوج بفعل عائشة ل، وهذا القياس مصادم لإقرار النبى صلى الله عليه وسلم .
ب ـ ثم هذا قياس مع الفارق؛ لأن الصوم عبادة تتكرر كل عام، وهى فريضة، أما الحج : فـفرضه في العمر مرة ، فكان ( الصوم ) فيه التخفيف والتوسعة في القضاء فيه لتكراره .

خلاصة الكلام:
لا بأس بالشروع في صيام الأيام الستة قبل القضاء. وهذا مذهب عامة العلماء : به قال :
(( الحنفية، والمالكية، و الشافعية، والحنابلة ــ في رواية ــ )) .
على خلاف بينهم في الجواز والكراهة .
ــ ولم يخالف إلا الحنابلة في الرواية المشهورة عندهم .
ــ فعلى ما ذكرناه : لا حرج على المرأة أن  تبدأ بست من شوال قبل قضاء ما عليها من أيام رمضان ــ والله أعلى وأعلم ــ
وبالله التوفيق .


وكتبه: أبو عبد الله
محمد أنور محمد مرسال

 

من نحن

نحن مجموعة من الإعلاميين.. نؤمن بأن القادم أجمل وأن الحياة عبارة عن لوحة تنتظر الألوان.. نحن نولد ولوحة حياتنا بيضاء نقية ولكن مٍنا من يجعلها سوداء ومٍنا من يحافظ على نقائها وصفائها لتزدهر حياته بكل ألوان الفرح والتفاؤل. تعاهدنا ألا نكتب وننشر إلا كل ما هو صادق يبعث على الأمل ويصبغ حياتنا بألوان التفاؤل.

في هذا الموقع لن تجد إلا كل ما ييعث على السرور والتفاؤل والأمل بأن القادم أجمل. أهلا بكل من يريد أن يشاركنا التجربة فكل ما نقدمه من أجل أن تصبح بلاد العرب أجمل بلاد العالم.

تواصل معنا