طباعة

Share this article

هل تعرف خير يوم يمرّ عليك منذ ولدتك أمُّك

إنّ من أعظم أيام المرء في حياته ( يوم التوبة والإنابة )
فهو أجملُ يوم يمرّ على ذلك التائب منذ ولدته أمّهُ ، بل تلك هي الولادة الحقيقة التي يصطفي الله لها من شاء من عباده ، فالولادة الطبيعية يشترك فيها كلُّ بني آدم ، بل حتى الحيوان يشترك فيها ، لكنّ ولادة الروح وعروجها لملكوت الإنابة لبارئها له شأنه الخاصُّ بها ، فهي الولادة التي تحيا بها النفس الحياة الحقيقية وتمتدُّ معها لحياة الخلود الأبدي في دار النعيم المقيم . يومُ التوبة يومٌ عظيمٌ لصاحبه يعرف به حق ربه ، ويعترف فيه بحاجته لرحمته ، ويُظهر ويُحقق فيه فقره لمولاه ( هذا الفقر الذي به غناه ) يعود بها لحياته التي لأجلها خُلق ، فهو إنّما خُلق ليكون عبداً لله منيباً ، طائعاً مخبتاً ذليلاً . تأمّل يامن لازلت مصِرّاً على الذنوب وعالم الخطايا أي خير فاتك في عمرك السابق حيث لم تعمره بطاعة ، وفاتك أغلى ما تملك وأضعته في دياجير الظلمات ؟ أعد الذاكرة الأن ( نعم الأن ) فأي فائدة جنيتها من معاقرة المحرمات وملابسة الخطيئات ؟ أين اللذات المتوهمّة ، هل بقي منها شيء ؟ لقد ذهبت ولم يبق إلا الوزر وخطورته وتبعاته ، وليس بين يديك إلا التوبة النصوح التي بها النجاة . يصبح يوم التوبة خير يوم يمرّ على المرء منذ ولدته أمُّه لأنّ فيه الإستجابة لنداء الله الذي دعاه لها ، فاللهُ ينادي عباده بأن يتوبوا لأنّ بها سعادتهم الأبدية وطيب حياتهم الدنيوية ، فيقول سبحانه : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " ينادي المسرفين الذين تجاوزوا الحدّ في الذنوب والخطئيات ، فما من ذنب إلا فعلوها ، وما من خطيئة إلا ارتكبوها ، ومع ذا يناديهم الرحيم بأجمل الأسماء بقوله : " يَا عِبَادِيَ " ويرغبهم بقوله : " لَا تَقْنَطُوا " ويُطمئنهم بقوله : " إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ " . فمهما عظُم في قلبك ذنب فأيقن أنّ الله يغفره ، ومهما أسرفت على نفسك بالخطايا فيبقى بابُ التوبة مفتوحاً لك . عش بقلبك مع هذا النداء الرباني الرحيم : " يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ماكان منك ولا أُبالي ، ياابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أُبالي " فأي رحمة أعظم من هذه ؟! وأي عطاء أوسع من هذا العطاء ؟! لئن ثبط الشيطانُ العبدَ عن التوبة زمناً ، فأيقنّ أنّ التأخر عنها زيادةً هو أشدّ عقوبة ، وأسوأ مآلاً . لا تخف من استهزاء النّاس وسخريتهم فغداً سيقدرونك كلهم ، وهذا واقعٌ ومجرّب . ولا تخف من العودة إلى حمأة الذنوب ، فعلاج هذا بإحسان الظنّ بالله ، فالمنتكسون قلة - ولله الحمد - والثابتون لا حصر لهم . لا تترد ولو أذنبت وتبت في اليوم مئة مرة . فلو تُبت في الصباح ونقضتها في المساء فتُبّ . ولو تُبت في المساء ونقضتها في الصباح فتُبّ . فإنّ الله لرحمته بعباده ، وعلمه بضعفهم يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل . الضعفُ من طبعنا ، والميل للشهوات من شأننا ، ولو لم نذنب لأماتنا الله وأتى بقوم آخرين يُذنبون ويذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ، ويتوبون فيتوبُ عليهم ، فجدّد التوبة على الدوام وأيقن برحمة ربك . يتحبّب إلينا الكريم الجواد الغني - سبحانه - بأن نتوب ليتوب علينا ونستغفره ليغفر لنا فيقول : " ياعبادي إنّكم تُخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم " . أضاع الصلاة - وهي أعظم شرائع الإسلام - زمناً طويلاً ، وفرّط فيها تفريطاً كثيراً ، ولكنّه تاب وندم وعاد إلى رشده فصار من المصلين المحافظين عليه . توبته هذه كانت سبباً في نيل رحمة الله ، وتأهله لدخول جنّة عرضها السموات والأرض التي أُعدت للتائبين ، قال تعالى : " فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا " ( سورة مريم - 60 ) يرتكب عظائم الأمور من الشرك وقتل النفس بغير حق ويزني ويسرف على نفسه كثيراً كثيراً . فيتعدى على حق الله الخاص ( التوحيد ) ويدعو غيره من الآلهة ، و يقتل نفساً أو أنفساً بغير حق ، ويزني ويتعدى على محارم النّاس ويرتكب جرماً عظيماً تكاد السموات يتفطرن من شناعته ، وتخرّ الجبال هداً من فظاعته ، ولكنّه يوماً من الأيام يعود إلى رشده ، ويُقلع عن هذا كله ، ويندم على شنيع فعله لأنّه لم يرَ فيه إلا الهمّ والغمّ ، فيعود إلى ربه تائباً نادماً ، فكيف هو صنيع الله معه مع هذه الجرائم ؟ والله لو عفا عنه لكان هذا منه إحساناً ورحمة ليس مثلها رحمة ، ولكن انظر لرحمة الرحيم ليس فقط يغفرها له ويعفى عنه ويسامحه بل يُبدّلُ سيئاته حسنات بفضله وجوده . قال تعالى ؛ " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (سورة الفرقان - 70 ) ذلك أنّ التوبة محبوبةً إلى الله تعالى ، فإلى متى التأخر وعدم المسارعة بعد هذا !؟ التوبة : هي الإنابة والرجوع لله بلزوم طاعته إلى يوم الممات . التوبة : هي الدخول إلى عالم السعداء ، والطمأنينة التي ينشدها أفرادُ العالم أجمع . التوبة : هي حياة الراحة ، والتجرد من الحقوق فلا يبقى عليك تبعة تؤلمك ، أو حقوق تقلقك ، أو مطالب تؤرقك . التوبة : هي العبودية الحقة التي بلغها الكُمّل من البشر ابتداءً بالأنبياء والصالحين من بعدهم . التوبةُ : فيها التخفّف من الآثار السيئة لها ، فإنّ للذنوب آثاراً لا يعرفها إلا صاحب الحي القلب ؛ وما لجرح بميتٍ إيلامُ . التوبة : سبباً في نزول البركات والحياة الطيبة ؛ ينالها التائب في الدنيا ، ولئن لقي ألماً وغصصاً في بدايتها فإنّما هو امتحانٌ وابتلاء ليرى اللهُ صدقه ، وليكون ثباته أعظم بعد هذه الابتلاءات . التوبة : فرصة للفوز بدعوات ملائكة الرحمن ، وهم عبادٌ دعاؤهم أقرب للإجابة ، وأرجى للقبول . التوبة : منشور الولاية والمحبة من الرحمن وكفى بهذه عطيةً وفضلاً ، قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ " ووالله لو لم يكن في التوبة إلا هذا الفضل لكان حرياً بالناصح لنفسه أن يُسارع إليه ، فكيف وقد جمعت من الفضائل ما لا يحصى . ختاماً / اعلم أنّ في التوبة من الفضائل أضعاف أضعاف ما ذُكر ، وتذكّر أيها المؤمن أنّ : " مِن قِبلِ مغربِ الشَّمسِ بابًا مفتوحًا، عَرضُهُ سبعونَ سنةً، فلا يَزالُ ذلِكَ البابُ مفتوحًا للتَّوبةِ ، حتَّى تطلعَ الشَّمسُ مِن نحوِهِا " كما صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنبادر لها قبل فوات الأوان . اللهم يسر لنا التوبة ، واجعلنا من المسارعين لها يارحمن . *عادل بن عبدالعزيز المحلاوي